الفن، المدينة، والذاكرة؛ زا ميوز في ٢٠٢٥

جاءت أنشطة زا ميوز خلال عام ٢٠٢٥ في سياق استثنائي، فرض علينا إعادة التفكير في معنى العمل الفني ودوره داخل واقع سوداني يتسم بالتحوّل، والنزوح، وتفكك البنى الداعمة للفن. انطلقت مقاربتنا من الإيمان بأن الفن ليس نشاطًا منفصلًا عن الواقع، بل أداة لفهمه، ومقاومته، وإعادة تخيّله، خصوصًا في اللحظات التي يصبح فيها كل ما هو ثابت عرضة للانهيار.

يقوم هذا المنظور أولًا على فهم الفن بوصفه بنية معرفية للمقاومة الثقافية، وثانيًا بوصفه طريقة لقراءة التحولات المكانية والاجتماعية، وثالثًا بوصفه وسيلة لإعادة إنتاج الذاكرة في ظل اللحظات التي تتفكك فيها المؤسسات والأنظمة الداعمة للفعل الإبداعي.

الفن وسيلة لقراءة التحولات المكانية والاجتماعية، وطريقة للحفاظ على الذاكرة حين تتراجع المؤسسات ويصبح الأرشيف مهددًا بالضياع. في هذا السياق، لم يعد المكان مجرد مساحة لعرض الأعمال، بل تحوّل إلى علاقة وجدانية ومعرفية تتشكّل داخل التجربة الفنية نفسها. فالمدينة، خصوصًا في زمن النزوح، لا تُستعاد كما كانت، بل تُعاد صياغتها عبر الأثر، والحنين، والتجربة الشخصية.

من هذا المنطلق، قرأنا مشاريعنا بوصفها محاولات لحفظ ما تبقّى من المدن في الذاكرة، لا كما تظهر في الخرائط، بل كما تسكن أجساد وذاكرة الفنانين. مشاريع مثل مدن ممتدة لم تسعَ إلى توثيق المدن بقدر ما حاولت التقاط أثر الخرطوم وبورتسودان والقاهرة كما تعيش داخل المخيّلة، حيث يتداخل الزمن الشخصي مع الزمن الجماعي، وتتحول المدينة إلى تجربة داخلية أكثر منها موقعًا جغرافيًا.

كما ظل سؤال الذاكرة حاضرًا في كل ما قمنا به. تعاملنا مع الذاكرة لا بوصفها مخزنًا ثابتًا للماضي، بل عملية حيّة تتشكّل في لحظة إنتاجها. في ظل الخطر الذي يهدد الأرشيف الفني السوداني، أصبح العمل الفني نفسه حاملًا للذاكرة، ووسيلة لمقاومة النسيان. ومن هنا جاء اهتمامنا المستمر بفكرة "الأرشيف المقاوم"، وباطلاقنا لمشروع أرشيف السودان للفن التشكيلي، نرى الأرشفة فعلًا ثقافيًا ومعرفيًا، لا مجرد عملية حفظ.

احتلّ الفنان، كجسد متحرّك وعابر بين الأمكنة، موقعًا مركزيًا في هذه المقاربة. فالتنقّل لم يعد حالة مؤقتة، بل تجربة وجودية تُنتج أشكالًا جديدة من التعبير. تعاملنا مع الإقامة الفنية ليس فقط كمكان للإنتاج، بل كمساحة للتأمل في الهوية حين تفقد مرجعها المكاني، كما في مشروع حيث لا نسمي، حيث تحوّل غياب الاسم المكاني إلى مدخل لفهم الذات والتجربة في عالم متغيّر.

ضمن هذا الإطار، لم نرَ ممارسات ٢٠٢٥ كمشاريع منفصلة، بل كجزء من مسار بحثي جماعي ينظر إلى الممارسة الفنية گ "بحث"، ويسعى إلى طرح الأسئلة أكثر من تقديم إجابات نهائية. فالفن، بالنسبة لنا، ليس انعكاسًا مباشرًا للواقع، بل محاولة لبناء فضاء موازٍ يسمح باستمرار التفكير، حتى في أكثر اللحظات هشاشة.

وإلى جانب ذلك، يعتمد الإطار على نظرية "الخيال الاجتماعي" التي ترى أن المجتمعات تعيد إنتاج صورها عن نفسها عبر سرديات رمزية وثقافية، لا عبر الوقائع السياسية وحدها. وفي ظل انهيار البنى التقليدية لإنتاج الخيال الجمعي، يصبح الفن إحدى الوسائل القليلة المتبقية القادرة على صياغة صورة مستقبلية للذات الجماعية. وهذا ما يجعل أنشطة زا ميوز ليست مجرد مشاريع فنون بصرية بل محاولات لإعادة بناء الطبقات المتخيلة للمجتمع.

ضمن هذا الإطار المتعدد، تتخذ المؤسسة دورًا يتجاوز كونها منصة عرض، لتصبح وسيطًا معرفيًا بين الفنان والمكان والذاكرة والسردية الجماعية. فالفن هنا ليس انعكاسًا للواقع، بل أداة لإعادة إنتاج واقع آخر أكثر قدرة على استيعاب التجربة الإنسانية في سياق الحرب. وتقوم المشاريع المنفذة خلال العام على فرضية أن الممارسة الفنية يمكن أن تُنشئ فضاءً موازيًا، هشًا لكنه ضروري، يسمح باستمرار التفكير في المدينة والذات والتاريخ داخل زمن تتسارع فيه لحظات الانهيار.

المشاريع

كان عام ٢٠٢٥ عامًا لإعادة النظر في معنى المدينة، وفي ما تبقّى من الخرطوم كذاكرة حسية ووجدانية، وفي كيفية خلق مساحات بديلة يمكن للفن أن يستمر داخلها. تنقّلنا بين الخرطوم وبورتسودان والقاهرة، لا بوصفها مدنًا منفصلة، بل كطبقات متداخلة من التجارب والسرديات.

تطوّر مشروع مدن ممتدة: الخرطوم - بورتسودان - القاهرة من كونه معرضًا أو برنامج إقامة، إلى مساحة للتفكير في الكيفية التي تعيش بها المدن داخل الذاكرة حين تفقد استقرارها. لم تعد المدينة خلفية للأعمال، بل موضوعًا للتأمل، وحضورًا يتشكّل عبر الأثر أكثر من الشكل. كانت الخرطوم، في كثير من الأعمال، مدينة تسكن الفنانين، لا مدينة يسكنونها.

مثّلت بورتسودان مساحة عبور وأسئلة، بينما أتاحت القاهرة فرصة لإعادة التجمع، وإعادة قراءة الهوية بوصفها انتماءً متعدّد الطبقات. ومن هذا الحوار بين المدن، نشأت الحاجة إلى التوثيق، فجاء كتاب المشروع امتدادًا طبيعيًا له، كجزء من سعينا لبناء أرشيف بديل لا يحفظ الصورة فقط، بل ما يحيط بها من مشاعر وأفكار.

وفي موازاة ذلك، عملنا على إعادة التفكير في الإقامة الفنية كمساحة للتأمل قبل الإنتاج. جاء مشروع حيث لا نسمي ليتيح للفنانين التوقّف عند أسئلة الهوية والانتماء، داخل إطار جماعي يقوم على الحوار والتشارك. تحوّلت الإقامة إلى مساحة هادئة لالتقاط ما يصعب التعبير عنه في الحياة اليومية، وإلى ممارسة معرفية تفتح بابًا للبحث عن لغة جديدة.

ظلّ سؤال الأرشيف حاضرًا في جميع هذه التجارب. أدركنا أن الفن السوداني مهدد بأن يتحول إلى ذاكرة شفوية فقط، في ظل تدمير المؤسسات وتشتت الفنانين. لذلك كان - ولا يزال - العمل علي مشروع أرشيف السودان للفن التشكيلي محاولة لحفظ هذا الإرث، وربط الأعمال بسياق أطول من اللحظة الراهنة، ومنح الفنانين موقعًا داخل سرديتهم الخاصة.

خلال هذا العام عدنا الى مشاريع أسست لتوسّعنا في مقاربة عملنا مع الإقليم، منها مشروع مدن ممتدة: الخرطوم – بيروت بوصفه مساحة بحث جماعي تتقاطع فيها الممارسة الفنية مع أسئلة أوسع تتعلق بالتبادل الثقافي، التاريخ، البناء والهدم والبنى التي تحكم حركة الفنانين والمؤسسات الثقافية في سياقات الشتات. في القاهرة، استضفنا ليلي أبي شاهين التي عملت مباشرة مع خالد عبدالرحمن. ضمن هذا الإطار، شكّلت ورشة الفن والقانون: التمثّلات، المحاكمات، والسلطة، التي قدمتها ليلي، إحدى محطات المشروع البحثية.

ما وراء الإقليم جنوباً، نشأت شراكتنا مع معرض و حاضنة كيوبت (استراليا). في نوفمبر، انطلق تعاون وشراكة طويلة الأمد في مجال الأرشيف والإنتاج الفني، بعد أشهر من التطوير عبر الإنترنت. قضت المديرتان شاي جاياواردينا وريم الجعيلي ثلاثة أسابيع في القاهرة في مختبر المعرفة للتعرف على المدينة وتاريخها والمجتمعات السودانية والممارسات الفنية، بالإضافة إلى تبادل الموارد بين المؤسستين.

يسعى المشروع إلى تعزيز التبادل والإبداع المشترك بين الفنانين السودانيين والاستراليين في مجالات الأرشفة البديلة، والأرشفة المجتمعية، والأدوات الرقمية، والسرد، والنظرية معززاً موقعنا من انتاج المعرفة ودعم الفنون في السودان وتوسعها.

ظلت مجلة زا ميوز حاضرة هذا العام لتثبت أن الجودة و الاستمرارية هي ثيمة حافظنا عليها للعام الثالث على التوالي و التي جاءت عن الحدود و التقاطعات. في هذا العدد حاولنا تغطية هذان المفهومان من الناحية الفنية والمفاهيمية بحيث تحولت المجلة الى مختبر تكثيف يعمل على محاولة تقديم وجهة نظر و مقاربات اجتماعية من خارج حدود المألوف و النسق الأكاديمي / البحثي.

ايضاً ظلت النقاشات المفتوحة و اللقاءات من نافذة الندوات التي ابتدرتها زا ميوز موجودة في برامج هذا العام حيث قدم الفنان و المصور السوداني حسن كامل ندوة ثرية عن مدينة لم تعد منسية ناقش فيها تحول مدينة بربر من خلال تجربة نزوحه و ترحاله القسري اليها وايضا استعرض عدد من الحضور تجربتهم مع هذا الارتباك من خلال ما قدمه كامل فيها.

خلال الندوة الثانية وضمن مشاركتنا للعام الثالث في معرض القاهرة للكتاب الفني ٢٠٢٥ ناقش الناقد السينمائي مدثر عبد القادر طبعتنا الأولى من كتاب " طيف استعماري " لمؤلفه حسان الناصر والتي قدم فيها استعراضاً عن الكتاب و أهم ما جاء فيه.

ومع توسّع هذه المشاريع، كنا ندرك أن عملنا لم يعد مقتصرًا على تنظيم فعاليات أو إقامة علاقات تعاون، بل أصبح شكلًا من أشكال إعادة بناء المجتمع الفني السوداني في فضاءات جديدة. مكان الفنان لم يعد واضحًا اليوم، والمدينة التي كانت مركزًا للإبداع لم تعد قادرة على حمل هذا الدور. لذلك سعينا طوال العام إلى إنشاء شبكات جديدة تربط الفنانين ببعضهم، وتوفر لهم ما فقدوه من استقرار ودعم. عملنا على خلق فضاءات مؤقتة، لكنها فعّالة، تسمح بمواصلة العمل الفني رغم النزوح والشتات والضغوط الاقتصادية. هذه الشبكات ليست بديلاً عن الوطن، لكنها محاولة لبناء “وطن فني” مؤقت، يسمح للفنانين بالاستمرار في إنتاج أعمال تحمل ثقل اللحظة التي يعيشونها.

كان ٢٠٢٥ عامًا للأسئلة المفتوحة: كيف يمكن للفن أن يستجيب لحرب سحبت المكان من تحت أقدام الفنان؟ كيف تُستعاد المدينة كإحساس لا كموقع؟ وكيف تُكتب الذاكرة في زمن يهدد فيه كل شيء بالاختفاء؟ لم نبحث عن إجابات نهائية، بل عن طرق جديدة لطرح هذه الأسئلة، ولفتح مساحات تسمح للفن بأن يظل حيًا.

لم يكن ما أنجزناه خلال هذا العام برنامجًا سنويًا تقليديًا، بل تدخلًا واعيًا في لحظة هشّة يتقاطع فيها الفن مع الذاكرة، والمكان مع التجربة الإنسانية التي فرضتها الحرب. حاولنا أن نعمل بوصفنا مؤسسة تتعلّم من التحوّل، وتتحرّك داخله، بدل أن تقف خارجه.

كانت مشاريعنا محاولات لإعادة كتابة العلاقة مع المدن، ومع الصورة، ومع الهوية، لا بوصفها معطيات ثابتة، بل كمساحات مفتوحة للتجربة. سعينا إلى حماية ما يمكن حمايته من الذاكرة الفنية، وإلى خلق منصّات تسمح للفنانين بإعادة سرد تجاربهم، لا كضحايا، بل كمنتجين لمعنى جديد.

نؤمن أن الفن ليس رفاهية في زمن الأزمات، بل ممارسة أساسية لإعادة بناء المعنى. وما قمنا به هذا العام هو خطوة ضمن مسار أطول، نسعى من خلاله إلى دعم الانتاج الفني السوداني، وفتح آفاق جديدة للخيال المشترك، والإبقاء على الضوء حاضرًا، ولو في أكثر اللحظات عتمة. ومن خلال هذا الإيمان، سنواصل العمل على مشاريع تُعيد ربط الفنان بالسياق، وبالذاكرة، وبحلمه الشخصي والجماعي، لنصنع معًا سجلًا بصريًا وفكريًا قادرًا على الصمود أمام الزمن، وعلى فتح أبواب جديدة أمام ما يمكن أن يكون، لا فقط أمام ما كان.

نشكر اولاً جميع الفنانين الذين ساهموا في مشاريع هذا العام، فريق العمل الذي يتفانى لإنتاج هذا الجهد المقدر، الداعمين والمستشارين، المانحين والجمهور الذي شهد معنا جميع هذه التحولات.

استكشف مدونات أخرى

مايو 9, 2025

يستكشف أحدث أعداد مجلة زا ميوز: عن الحدود والتقاطعات، العالم المتوسّع للفنون البصرية السودانية عبر المنطقتين العربية والأفريقية. يركّز العدد على كيفية تحوّل الفن السوداني وتطوّره مع تشتّت الفنانين وتفاعلهم مع مشاهد فنية جديدة في بلدان مثل مصر وكينيا والإمارات العربية المتحدة. ويتضمّن مقالات نقدية وسرديات شخصية تُبرز الحضور التاريخي لروّاد الفن السوداني، إلى جانب اندماج الفنانين المعاصرين في مجتمعات جديدة، مع إعادة تأطير النقاش حول الفن السوداني وتجربته في الشتات.

يناير 11, 2025

رحلتنا خلال العام الماضي في زا ميوز ملتي استيديوز—نستعرض الإنجازات، الصمود، والإبداع. شكرًا لكل من كان جزءًا من هذه الرحلة المميزة وساهم في تحقيق رسالتنا لدعم التعبير الفني والحفاظ على التراث الثقافي.