من ذكريات إلى ذكريات : حوار مع الفنان التشكيلي مصطفى حسين | سالم From memories to memories, An interview with visual artist Mustafa Hussein Salem

This article is available below in English

الفنان مصطفي حسين سالم (يسار) في منزله بمدينة بورسودان مع الفنان فيصل تاج السر، نوفمبر ٢٠٢٣

حسان الناصر، نوفمبر ٢٠٢٣

إلتقينا في منزله بمدينة بورتسودان، بحي المطار ، في أجواء صيفية. كان يرتدي جلباب أبيض اللون ونظارة سوداء، استقبلنا بطريقة سودانية أصيلة، في بهو منزله حيث تنتشر اللوحات الفنية التي تعود إلى مراحل الدراسة و الشباب، ومن ثم مراحل العزلة عن الخروج نحو المجتمع كفنان تشكيلي، حيث ظل في منزله منذ عقد ونيف ومكتبه بكلية التربية و لوحاته، مصطفى حسين سالم، من مواليد مدينة طوكر بشرق السودان، وتعود أصوله إلى مدينة سواكن إلا أنه نشأ في طوكر. 

أجرينا هذا الحوار معه كأول عمل يتم حول مصطفى حسين سالم وينشر على الإنترنت، نريد أن نشكر الفنان فيصل تاج السر في تسهيل هذا اللقاء مع حسين بالإضافة إلى مشاركته في الحوار أيضا من خلال المشاركة في الأسئلة وتقريب فكرتها لمصطفى حسين سالم.

مصطفى، حدثنا عن نشأتك وتلقيك للفنون خصوصا و أنك تعرف نفسك كفنان تشكيلي حداثي في مدينة حديثة لكن تلقي الفن التشكيلي الحديث فيها به بعض المصاعب وهو ما نشاهده من عدم وجود صالات عرض مثلا أو مراكز فنية سوى التي ظهرت مؤخراً؟ 

أنا نشأت في مدينة طوكر كانت المدينة عبارة عن تجمع سكاني كبير، نسبة إلى المشروع الزراعي، درست هناك الابتدائية والمتوسطة، إلا أن الأسرة كانت تنتقل من طوكر إلى سنكات ومن ثم إلى بورتسودان، بطبيعة الأجواء و أيضاً الأسر في فترة الستينات، ولكن أصولنا تعود إلى مدينة سواكن التي هجرت من جراء ظهور بورتسودان في مطلع القرن، وأيضا ظهور المشروع الزراعي في طوكر. 

والفن في حياتك كيف بدأ تلقيك له؟ 

في مرحلة الستينات كانت الفنون لها قدر من الإهتمام خصوصاً في المدارس الابتدائية التي كانت تستجلب الأساتذة و المعلمين من مناطق مختلفة في السودان، كانت هناك حصص تدرس عن الفنون بالإضافة الى المواد التي يتم استخدامها في الرسم حيث تسهل على الطلاب اقتنائها و الإشتغال بها، حيث توجد مخازن لمواد الفنون وكان هناك تشجيع على مسألة الفن. عندما قدمت الى الوسطى اختلف الوضع حيث زاد الإهتمام بهذا الشكل وقمنا أيضا بإخراج أعداداً من المجلات، وأرسلناها إلى مسؤولين. 

في الثانوية بمدينة بورتسودان، زادت المواد الدراسية التي نتلقاها عن الفنون بالإضافة الى وعي الأساتذة بنا مثل عبد الباسط الخاتم وبكري بلال وعبد الرحمن جركلي ومحمد محمود ، وسليمان عبد القادر. وأذكر أن بكري بلال قام بعمل أول معرض في فندق البحر الأحمر وكان ذلك في فترة السبعينات على ما أعتقد. 

ومن ثم بعد ذلك تحول الشغف إلى ضرورة الذهاب إلى الجامعة من أجل دراسة الفنون وفعلاً في منتصف السبعينات ذهبت إلى كلية الفنون الجميلة. 

 

احدي لوحات مصطفى حسين سالم

مرحلة الجامعة والاشتباك مع الفن كمساق أكاديمي كيف يمكن أن يعبر عنه مصطفى حسين سالم بعد هذه السنوات؟ 

مرحلة الجامعة بكل تأكيد كانت مؤثرة على قدر كبير في التكوين من ناحية النقاشات التي كانت تجري في الكلية بالإضافة إلى الوضعية التي توفرها الكلية حيث كان هناك ملتقى يجمع الطلاب سواء من هم في الكلية أو خارجها أيضاً، كانت الكلية ذات نشاط كبير و واسع أيضاً، على ما أظن أن الكلية كانت تخرج حوالي 20 جريدة حائطية، ولم تكن جرائد بسيطة وإنما كانت غنية بالفنون وأيضاً بالآراء النظرية الفنية و السياسية، وفرت لنا هذه الإمكانيات أن نقوم بتطوير الرؤية الفنية لدينا. 

خصوصاً أنني أنحدر من عائلة لم تكن مهتمة بالفنون، لذلك وجدت مساحتي الخاصة في تشكيل علاقتي بما هو محيط من خلال الفن، وهو أمر يعود إلى السودان نفسه من خلال إهتمام الدولة في تلك المرحلة بالفنانين مما عزز قدراتنا في الفن، وهو ما ظهر في التيارات التشكيلية في السودان، وأيضاً في المواد التي يتم إستخدامها في السودان خلال تلك المرحلة. 

كنا في الجامعة نهتم بالقضايا السياسية مثل قضايا إفريقيا و جنوب إفريقيا، وحرب فيتنام. لكن على مستوى الفن فإن المدارس الفكرية التي أثرت علينا هي مدرسة الخرطوم ولكن لا يمكنني أن أقول بأنني متأثر بها. فلا أعتقد أنني أنتمي إلى مدرسة معينة، وهو ما يظهر في بعض الأعمال التي أقوم بها. 

ففي بعض الأحيان  أقوم بالاشتغال الواقعي ولكنني أنقلب عليه عندما أقرأ الشعر مثلا، أعود إلى التجريد. التشكيل بالنسبة لي شاعري أكثر من الذي يقول الشعر نفسه. 

أثر المدينة عليك وخصوصا أنني علمت بأن علاقتك مع بورتسودان كفنان تشكيلي متوترة؟ 

لا أشعر أنني جزء من مخيال بورتسودان، ولا جزء من فضائها أنا متأثر بسواكن ، ولقد قمت بالعديد من الأعمال كانت ثيمتها الأساسية سواكن، بالإضافة إلى تأثري بالخرطوم كمدينة جزء من المخيال الذي تشكلت فيه لذلك أعتني بعلاقاتي بالخرطوم وخصوصا أنني قد عملت فترة في الخرطوم ، في معهد تدريب المعلمات بأم درمان مما جعلني قريب من الكلية. وأصبحت جزء من مجتمعها لفترة قبل أن أنتقل إلى بخت الرضا ومن ثم إلى كسلا . وبعدها عدت إلى بورتسودان. 

في الخرطوم لم أكن أسكن في مكان (يمزح!) بل كنت أسير، صراحة كنت أقطن في حي  الزهور، بوسط الخرطوم وكان الحي به بعض الفنانين التشكيليين الذين نتسامر معهم ونناقشهم، مما عمق علاقتي بالفنون و الكلية أيضا، ليس هذا وحسب وإنما أيضا كان  الحي جميل وبه مناخ ومزاج فن وصالح لأن يعيش فيه أي مبدع. 

عملت أيضا في الصحافة حيث كنت أقوم بالرسم في صحيفة القوات المسلحة، كانت هناك صفحة تحتوي على بعض القصائد التي كنت أقوم برسمها. وتجربتي في بخت الرضا لم تكن مرضية حيث مكثت فيها شهور قليلة حتى رحلت عنها. لأسباب شخصية.

كيف يمكن أن ننظر إلى الفنون بين هذه اللحظة و اللحظة السابقة، من خلال ما تقوم به من معارض سابقة؟ 

أنا أول معرض أقمته في طوكر في العام 1969م بينما كنا في المرحلة الثانوية، لكن خلال كل مسيرتي الفنية أقمت حوالي عشرة معارض، تقريبا أذكر أول مرة دخلت معرض كان في العام 1967م في فندق البحر الأحمر على ما أعتقد. أقامه الأستاذ بكري بلال. وأذكر أن مستر شيلر مدرس اللغة الإنجليزية قد إشترى لوحة قيمتها خمسة جنيه، وكان حدثا غريبا حينها. 

أول معرض لي كان “من ذكريات إلى ذكريات”، وآخر معرض لي “تحولات وسغ إبن بابوة بين البارحة و الحين”. وأيضا كان لي معرض “مثل صديقتي الريح” في المريديان، وكذلك في فندق  الهيلتون في 1986م، وكذلك أذكر أنني قد قمت ببيع حتى لوحات التخرج التي كانت عن سواكن. 

لماذا أنت متعلق بسواكن؟ 

سواكن مدينة السحر، لم أعش فيها إلا أنني متعلق بها بشكل كبير. ولا أعرف لماذا تم إهمال سواكن، منطقة خلابة وساحرة. 

“أخيرا أريد أن تعود إلى مسألة العرض و الإشتغال أيضا على مزيد من اللوحات فنحن نتمنى أن تخرج، إلى النور مجدداً”


From memories to memories, An interview with visual artist Mustafa Hussein Salem

Mustafa Hussien Salem (Left) in his house in Port Sudan with artist Faisal TajAlsir, November 2023

Hassan Al-Nasser, November 2023

We met at his house in Port Sudan, in the airport neighbourhood, in a summer atmosphere. He was wearing a white robe and black glasses. He welcomed us in an authentic Sudanese way, in the foyer of his house, where there were paintings dating back to the days of his studies and youth, and then the days of isolation from going out into society as a visual artist, where he had remained in his house for more than a decade, his office in the College of Education, and his paintings. Mustafa Hussein Salem, was born in the city of Tokar in eastern Sudan. His origins go back to the city of Suakin, but he grew up in Tokar.

We conducted this dialogue with him as the first documentary work to be done about Mustafa Hussein Salem and published on the Internet. We want to thank the artist Faisal Taj Al-Sir for facilitating this meeting with Hussein, in addition to his participation in the dialogue through adding to the questions and bringing the idea closer to Mustafa Hussein Salem.

Mustafa, tell us about your upbringing and reception of the arts, especially since you define yourself as a modern visual artist in a modern city, but receiving modern plastic art there has some difficulties, as we see in the absence of galleries, for example, or art centres other than those that have appeared recently? 

I grew up in the city of Tokar. The city was a large population centre, in relation to the agricultural project. I studied primary and middle school there, but the family would move from Tokar to Sinkat and then to Port Sudan, due to the nature of the atmosphere and also families in the sixties, but our origins go back to The city of Suakin, which was abandoned due to the emergence of Port Sudan at the turn of the century, and also the emergence of the agricultural project in Tokar.

And art in your life. How did you begin to receive it? 

In the sixties, the arts received a degree of interest, especially in primary schools, which used to bring professors and teachers from different regions in Sudan. There were classes taught about the arts in addition to the materials used in drawing, as they made it easier for students to acquire and work with them, as there were Stores for art materials and encouragement to create art. When I went to middle school, the situation was different, as interest in art increased. We also produced issues of magazines and sent them to officials.

In high school in Port Sudan, the subjects we receive about arts increased, in addition to the attention from teachers such as Abdel Basit Al Khatim, Bakri Bilal, Abdel Rahman Jarkali, Muhammad Mahmoud, and Suleiman Abdel Qader. I remember that Bakri Bilal held the first exhibition at the Red Sea Hotel, and that was in the seventies, I believe.

Then after that, the passion turned into the necessity of going to university in order to study arts, and indeed, in the mid-seventies, I went to the College of Fine Arts.

An artwork by Mustafa Hussein Salem

The university period and engagement with art as an academic course. How can Mustafa Hussein Salem express it after these years? 

The university stage was certainly highly influential in my formation in terms of the discussions that took place in the college, in addition to the environment presented at the college, as there was a forum that brought together students, whether those in the college or outside it as well. The college was very active and broad as well. I think that the college produced about 20 wall newspapers, and they were not simple newspapers, but rather rich in the arts and also in artistic and political theoretical opinions. These opportunities provided us with the ability to develop our artistic vision.

Especially since I come from a family that was not interested in the arts, so I found my own space in shaping my relationship with what is around me through art, which is something that goes back to Sudan itself through the state’s interest at that stage in artists, which strengthened our capabilities in art, and this is what appeared in the current scenes in Fine Art in Sudan, and also in the materials that are used in Sudan during that stage.

At university, we were interested in political issues such as the issues of Africa and South Africa, and the Vietnam War. But at the level of art, the schools of thought that influenced us were the Khartoum School, but I cannot say that I am influenced by it myself. I do not think that I belong to a specific school, and this is evident in some of the work that I do.

Sometimes I work realistically, but I turn against it when I read poetry, for example, then I return to abstraction. For me, the composition is more poetic than what the poetry itself says.

The city’s impact on you, especially since I learned that your relationship with Port Sudan as an artist is tense? 

I do not feel that I am part of the imagination of Port Sudan, nor part of its space. I am influenced by Suakin, and I have done many works whose basic theme was Suakin, in addition to being influenced by Khartoum as a city that is part of the imagination in which I was formed. Therefore, I take care of my relations with Khartoum, especially since I worked there for a period of time in the Teacher Training Institute in Omdurman, which brought me close to the college. I was part of its community for a while before moving to Bakht al-Rida and then to Kassala. Then I returned to Port Sudan.

In Khartoum, I did not live in a place (joking!) Rather, I was walking. Frankly, I lived in Al-Zuhur neighbourhood, in the centre of Khartoum, and the neighbourhood had some artists with whom we chatted and discussed, which deepened my relationship with the arts and the college as well. Not only that, but the neighbourhood was also beautiful, it had an artistic atmosphere and mood, and is suitable for any creative person to live in.

I also worked in journalism, where I was drawing for the Armed Forces newspaper. There was a page containing some poems that I was drawing. My experience at Bakht al-Rida was not satisfactory, as I stayed there for a few months until I left, for personal reasons.

How can we look at the arts between now and then, through your previous exhibitions? 

I held the first exhibition in Tokar in 1969 while we were in high school, but during my entire artistic career I held about ten exhibitions. I remember the first time I entered an exhibition in 1967 at the Red Sea Hotel, I think, by Mr. Bakri Bilal. I remember that Mr. Schiller, the English teacher, bought a painting worth five pounds, and it was a strange event at that time.

My first exhibition was titled From Memories to Memories”, and my last exhibition was “Transformations of Wesg Ibn Babawa between Yesterday and Now”. Also, I had an exhibition “As My Friend The Wind” at The Meridian, and another at the Hilton Hotel in 1986, and I remember that I even sold my graduation paintings that were about Suakin.

Why are you attached to Suakin? 

Suakin is the city of magic. I have not lived there, but I am very attached to it. I do not know why Suakin, a picturesque and magical area, was neglected.

“In the end, I want you to return to exhibiting and also work on more paintings. We hope that they will come to light again.”


Posted

in

by

Tags: